سوريا بعد أربع سنوات صراع متعدد الأوجه

سوريا بعد أربع سنوات صراع متعدد الأوجه

في العام الرابع للثورة، تبدو سوريا كساحة صراع متعدد الأوجه، انتقل تدريجياً، عاماً بعد عام، من مواجهة واضحة بين نظام الأسد و الشعب السوري، إلى صراعات متعددة الجبهات أحد أطرافها نظام الأسد الذي لم يعد يسيطر سوى على ثلث مساحة البلاد، في حين يسيطر تنظيم “الدولة” على نحو 35 بالمئة، وتتقاسم قوى مختلفة منها الجيش الحر والقوات الكردية السيطرة على باقي البلاد.

أبرز تطور شهده العام الرابع للثورة السورية، هو الصعود الصاروخي لتنظيم “الدولة” الذي تحول منتصف العام من “الدولة الإسلامية في العراق والشام” إلى “الدولة

الإسلامية” ومن ثم إعلان “الخلافة” ومبايعة أبو بكر البغدادي خليفة للمسلمين، ولـ “الدولة” التي امتدت سيطرتها لتشمل نحو ثلث مساحة العراق وثلث مساحة سوريا. كان للانتصارات السريعة التي حققها التنظيم في سوريا والعراق وقع الصدمة في هذين البلدين وفي الساحة السورية، ساعد صعود التنظيم بعض الأطراف، وألحق ضرراً بأطراف أخرى.

ولعل أبرز المستفيدين هو النظام السوري الذي حاول جاهداً الالتحاق بالتحالف الدولي المتشكل ضد “الدولة” معلناً نفسه ضحية للتنظيم وشريكاً مقتدراً في محاربته. ورغم صده من جانب التحالف، إلا أنه أقحم نفسه عنوة في الحرب، ، ما أوحى بوجود شراكة ضمنية برغم نفي التحالف لذلك.

كما يبرز في قائمة المستفيدين الأكراد الذين اعتبرتهم واشنطن شريكاً مناسباً في الحرب ضد “الدولة”، خلافاً لكتائب الجيش الحر التي ظلت تحظى فقط بدعم لفظي من جانب واشنطن؛ وتسنى للأكراد ممثلون خاصة بالحزب الديمقراطي الكردي وذراعه العسكرية “وحدات حماية الشعب” الحصول على أسلحة جديدة وتوسيع تمددهم في شمالي وشرقي البلاد، طارحين أنفسهم كقوة عسكرية فاعلة بعيدة عن شبهة التطرف الإسلامي التي لازمت معظم كتائب الجيش الحر، وكانت ذريعة لحجب الدعم والتسليح عنها.

أما أبرز الخاسرين من ظهور تنظيم “الدولة” فكانت فصائل الجيش الحر، التي كان عليها أن تواجه النظام و”الدولة” معاً، وقضية الثورة السورية عموماً التي تحولت من ثورة ضد الاستبداد وطلباً للحرية، إلى حرب ضد “الإرهاب” أو حرب أهلية أو طائفية. سيطر تنظيم “الدولة” على كميات هائلة من الأسلحة والذخائر من العراق ونقلها إلى سوريا، فيما استمرّ الحصار الدولي على الثوار السوريين لتحديد كميات وأنواع السلاح، ما أدى إلى اضطراب ميزان القوة لصالح التنظيم الذي سيطر على كامل محافظتَي الرقة ودير الزور تقريباً وعلى مساحات واسعة في محافظة الحسكة وفي ريفَي حلب الشرقي والشمالي وريف حمص الشرقي.

من جانبه، حقق النظام تقدماً في القلمون، واستطاع إعادة احتلال حمص القديمة بعد حصار قارب السنتين، وأحكم الحصار على الجزء المتبقي من المدينة (حي الوعر)، وواصل حصاره المحكم على غوطة دمشق الشرقية التي يعيش فيها نحو مليون إنسان، فيما اضطُرّت بعض المناطق الصغيرة التي أنهكها الحصار وفتك بها الجوع والمرض إلى عقد هُدَن مع النظام. الظاهرة البارزة كانت الظهور العلني والمكثف للقوى والمليشيات التي تحارب إلى جانب النظام والتي ترعاها إيران مثل حزب الله اللبناني والمليشيات الطائفية الإيرانية والعراقية، فضلاً عن الحرس الثوري الإيراني نفسه خاصة في حلب وفي الجنوب، وتسبب كل ذلك في خسارة الثوار لمعظم الأراضي التي سيطروا عليها خلال السنتين الماضيتين ومعظمها ذهب ليد “الدولة” والباقي لصالح النظام، ولم يتبق بيدهم سوى نحو 20 بالمئة من تلك الأراضي.

لكن في المقابل، حقق الثوار بعض النجاحات العسكرية خاصة في درعا والقنيطرة بالجنوب، إضافة إلى نجاحهم في إبعاد شبح الحصار عن مدينة حلب، وطرد النظام من بعض المواقع العسكرية المهمة في إدلب مثل وادي الضيف والحامدية.

وفي ضوء تمدد تنظيم “الدولة”، واستعانة النظام المتزايدة بالمليشيات الأجنبية الشيعية، سعت قوى الثورة إلى إعادة تجميع نفسها في أطر جديدة لتوحيد قواها وتأهيل نفسها لتلقي الدعم من المجتمع الدولي، فأسست “مجلس قيادة الثورة” الذي يضم معظم التشكيلات الثورية.

مع الإنهاك الكبير الذي أصاب جيش النظام بعد أربع سنوات من القتال على كامل الجغرافيا السورية، ومع الانشقاقات والخسائر التي لحقت به، يحاول هذا الجيش استخدام تكتيكات غير مكلفة بشرياً له مثل القصف بالصواريخ وبالبراميل المتفجرة وحصار المدن والقرى المناهضة له لتعويض النقص في التسلح والجنود.

ويسيطر هذا الجيش اليوم على بعض المحافظات كلياً مثل طرطوس والسويداء، وشبه كلي مثل دمشق واللاذقية وحمص، أو على مراكز المدن مثل بقية المحافظات ما عدا الرقة التي خسرها بالكامل لصالح تنظيم “الدولة”.

مقالات ذات صله